فخر الدين الرازي

129

تفسير الرازي

* ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ الْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلاَِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) * . ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين ثم قال تعالى ( فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون ، من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون . لما نهى الكافر عما هو عليه ، أمر المؤمن بما هو عليه وخاطب النبي عليه السلام ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به فإنه أمر به أشرف الأنبياء ، وللمؤمنين في التكليف مقام الأنبياء كما قال عليه الصلاة والسلام : " إن الله أمر عباده المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين " وقد ذكرنا معناه ، وقوله : * ( من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ) * يحتمل وجهين الأول : أن يكون قوله : * ( من الله ) * متعلقاً بقوله : * ( يأتي ) * والثاني : أن يكون المراد * ( لا مرد له من الله ) * أي الله لا يرد وغيره عاجز عن رده فلا بد من وقوعه * ( يومئذ يصدعون ) * أي تفرقون . ثم أشار إلى التفرق بقوله : * ( من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال : * ( من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً ) * ولم يقل ومن آمن وذلك لأن العمل الصالح به يكمل الإيمان فذكره تحريضاً للمكلف عليه ، وأما الكفر إذا جاء فلا زنة للعمل معه ، ووجه آخر : وهو أن الكفر قسمان : أحدهما : فعل وهو الاشراك والقول به ، والثاني : ترك وهو عدم النظر والإيمان فالعاقل البالغ إذا كان في مدينة الرسول ولم يأت بالإيمان فهو كافر سواء قال بالشرك أو لم يقل ، لكن الإيمان لا بد معه من العمل الصالح ، فإن الاعتقاد الحق عمل القلب ، وقول لا إله إلا الله عمل اللسان وشئ منه لا بد منه . المسألة الثانية : قال : * ( فعليه ) * فوحد الكناية وقال : * ( فلأنفسهم ) * جمعها إشارة إلى أن الرحمة أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته ، أما الغضب فمسبوق بالرحمة ، لازم لمن أساء . المسألة الثالثة : قال : * ( فعليه كفره ) * ولم يبين وقال في المؤمن * ( فلأنفسهم يمهدون ) * تحقيقاً لكمال الرحمة فإنه عند الخير بين وفصل بشارة ، وعند غيره أشار إليه إشارة . * ( لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) * . ذكر زيادة تفصيل لما يمهده المؤمن لفعله الخير وعمله الصالح ، وهو الجزاء الذي يجازيه به الله